لم يكن انعقاد الملتقى الدولي التاسع حول الأمن الفكري، الاقتصادي، والدبلوماسي في تندوف الذي تم تنظيمه مؤخرا حدث أكاديمي عابر، وانما جاء في سياق رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز مكانة هذه الولاية الحدودية كمحور استراتيجي يربط الجزائر بعمقها الإفريقي.
الملتقى، الذي شهد مشاركة شخصيات بارزة من خبراء اقتصاديين ودبلوماسيين ومسؤولين حكوميين، حمل في طياته العديد من الطموحات، لكنه في الوقت ذاته أثار تساؤلات جدية حول مدى قدرة تندوف على التحول إلى مركز اقتصادي حقيقي، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة.
برز رئيس الملتقى الأستاذ الدكتور بريك الله حبيب كأحد الشخصيات الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح النقاش، حيث حرص على ادارة الحدث وعلى الدفع نحو تقديم تصورات عملية حول مستقبل تندوف الاقتصادي والدبلوماسي. جهوده تمثلت في تقديم رؤية متكاملة تدعو إلى استغلال الموقع الجغرافي للولاية لتحويلها إلى بوابة تجارية رئيسية نحو إفريقيا.
تصريحاته خلال الملتقى كانت واضحة وحاسمة، إذ شدد على أن تندوف يجب أن تكون أكثر من مجرد نقطة عبور، تكون منصة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات وتطوير شراكات استراتيجية مع الدول المجاورة، خاصة عبر المعبر الحدودي مع موريتانيا. هذه الرؤية الطموحة لقيت صدى لدى المشاركين، لكنها في الوقت ذاته اصطدمت بعدد من التحديات التي لا يمكن تجاهلها.
المعبر الحدودي… نافذة اقتصادية لم تُفتح بالكامل بعد
من بين المحاور التي حظيت باهتمام كبير في الملتقى كان موضوع المعبر الحدودي بين الجزائر وموريتانيا، والذي اعتبره رئيس الملتقى نقطة تحول يمكن أن تعيد رسم الخارطة الاقتصادية للمنطقة.
المشروع يحمل وعودًا كبيرة بفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الجزائرية، لكنه لا يزال يواجه عقبات عديدة، أبرزها ضعف البنية التحتية اللازمة لضمان انسيابية التجارة، فضلًا عن الحاجة إلى اتفاقيات تجارية واضحة مع موريتانيا والدول الإفريقية المجاورة.
الملتقى سلط الضوء على ضرورة تسريع العمل في هذا المعبر، كبوابة تجارية وأيضًا كأداة لتعزيز النفوذ الدبلوماسي الجزائري في المنطقة، إلا أن تحويله إلى محور اقتصادي حقيقي يتطلب جهودًا أكبر من مجرد عقد المؤتمرات والملتقيات.
البنية التحتية والاستثمار… الحلقة المفقودة في معادلة النجاح
ورغم الطموحات الكبيرة التي حملها الملتقى، إلا أن واقع تندوف لا يزال بعيدًا عن الصورة التي يطمح إليها المنظمون. فالبنية التحتية لا تزال غير مؤهلة بشكل كافٍ لاستيعاب مشاريع استثمارية ضخمة، كما أن غياب المرافق الأساسية يشكل عائقًا أمام جذب المستثمرين.
رئيس الملتقى أكد في أكثر من مناسبة على أهمية خلق بيئة جاذبة للاستثمارات من خلال تطوير الطرق، وتعزيز الخدمات اللوجستية، وتقديم تسهيلات إدارية للمستثمرين، إلا أن هذه الأهداف تتطلب قرارات حكومية جريئة ودعمًا ماليًا قويًا.
في هذا السياق، أثيرت خلال الملتقى عدة مقترحات لتعزيز الاستثمار، من بينها منح حوافز للشركات المحلية والأجنبية وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لكن تبقى مسألة التنفيذ الفعلي هي التحدي الأكبر.
تندوف بين الطموح والواقع… هل يتحقق الحلم؟
الملتقى خرج بتوصيات مهمة من شأنها أن تشكل خارطة طريق لمستقبل تندوف، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى قدرة السلطات على تحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس.
لا شك أن هناك إرادة حقيقية لإحداث تغيير في المنطقة، لكن غياب الخطوات العملية قد يجعل من الملتقى مجرد محطة أخرى في سلسلة من اللقاءات التي لا تترك أثرًا حقيقيًا.
رئيس الملتقى نجح في تسليط الضوء على الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها تندوف، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الحكومة، المستثمرين، والفاعلين الاقتصاديين.
إذا تم استغلال الزخم الذي أحدثه هذا الحدث، فقد نرى خلال السنوات المقبلة تحولًا فعليًا يجعل من تندوف مركزًا اقتصاديًا يعزز مكانة الجزائر في القارة الإفريقية، أما إذا بقيت الأمور على حالها، فستظل تندوف مجرد نقطة على خريطة الطموحات غير المحققة.