حين تتحدث الجزائر… تصمت أوهام المغرب في إفريقيا

تحليل

حققت الجزائر إنجازًا دبلوماسيًا جديدًا في الساحة الأفريقية بفوز سفيرتها لدى إثيوبيا وممثلتها الدائمة لدى الاتحاد الأفريقي، مليكة سلمى حدادي، بمنصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، في انتخابات شهدت إقصاءً واضحًا للمترشحة المغربية.

هذا الفوز الساحق، المدعوم بـ 33 صوتًا من أصل 55، هو نجاح دبلوماسي يدل على المكانة القوية التي تحتلها الجزائر في القارة الأفريقية، في ظل سياسة خارجية ترتكز على تعزيز العلاقات التاريخية مع الدول الأفريقية، وتكريس مبدأ الاستقلالية عن التأثيرات الخارجية.

لم يمر هذا الفوز دون تداعيات دبلوماسية، إذ شكل “صفعة قوية” للمغرب الذي كان يسعى لانتزاع موقع استراتيجي داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي، لتعزيز أجنداته داخل المنظمة القارية. إلا أن إقصاء مرشحته في الجولة السادسة من الانتخابات يعكس عدم ثقة الدول الأفريقية في التحركات المغربية داخل الاتحاد، خاصة في ظل استمرار الأزمة حول ملف الصحراء الغربية، ورفض العديد من العواصم الأفريقية للنهج الذي تتبعه الرباط في محاولتها التأثير على قرارات المنظمة القارية.

ويأتي هذا الانتصار الجزائري في سياق سياسة دبلوماسية متكاملة يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، الذي جعل من العمق الأفريقي أولوية في أجندة الجزائر الخارجية. فمنذ وصوله إلى الحكم، عززت الجزائر حضورها في القارة، من خلال توسيع شراكاتها الاقتصادية، وتعزيز دورها في قضايا الأمن الإقليمي، والوساطة في النزاعات، فضلاً عن عودتها القوية إلى هياكل الاتحاد الأفريقي، التي كانت قد شهدت في فترات سابقة فتورًا جزئيًا في الحضور الجزائري. فوز حدادي هو امتداد لهذه الاستراتيجية، ويعزز موقف الجزائر كقوة دبلوماسية إقليمية قادرة على التأثير في القرارات الأفريقية.

ويمثل منصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موقعًا بالغ الأهمية، حيث يتيح للجزائر فرصة التأثير على القرارات الاستراتيجية داخل الاتحاد، خاصة فيما يتعلق بإدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية للقارة.

ومن أبرز الملفات التي ستتعامل معها حدادي، تنفيذ أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، والتي تتضمن أهدافًا طموحة مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي القاري، وتعزيز التنمية المستدامة، وإسكات البنادق، وهو مشروع أفريقي يرمي إلى إنهاء النزاعات المسلحة داخل القارة بحلول 2030.

كما يتوقع أن تلعب الجزائر دورًا محوريًا في إعادة هيكلة التسيير الإداري والمالي لمفوضية الاتحاد الأفريقي، في إطار التوجه نحو الشفافية وتعزيز ثقافة الكفاءة والمساءلة داخل المنظمة. وهذا يعكس رؤية الجزائر في دفع الاتحاد نحو استقلالية حقيقية عن الضغوط الخارجية، وخاصة النفوذ الأوروبي، الذي طالما حاول فرض أجنداته عبر الدعم المشروط للمشاريع الأفريقية.

بجانب ذلك، يعكس هذا الفوز استمرار دور الجزائر كمدافع رئيسي عن وحدة القارة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ لطالما تمسكت به الجزائر منذ حقبة الكفاح ضد الاستعمار وستواصل تعزيز هذا التوجه من خلال شغل مواقع رئيسية داخل الاتحاد، ما يمكنها من صد أي محاولات لإعادة تشكيل التوازنات داخل المنظمة بما يخدم أجندات معينة.

نجاح حدادي كان بمثابة تأكيد جديد على أن القارة تضع ثقتها في دبلوماسية جزائرية مستقلة عن التأثيرات الخارجية، قادرة على تحقيق التوازن بين المصالح الأفريقية، وتعزيز رؤية “أفريقيا للأفارقة”. هذا ما أكدت عليه حدادي في تصريحاتها عقب فوزها، حيث شددت على أنها ستعمل على إعطاء الأولوية للتعاون مع المؤسسات المالية الأفريقية، مثل بنك التنمية الأفريقي والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، في خطوة تهدف إلى تعزيز التمويل الذاتي للمشاريع التنموية داخل القارة، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على المؤسسات المالية الغربية.

ورغم أن المغرب راهن على تعزيز حضوره داخل الاتحاد الأفريقي عبر هذه الانتخابات، إلا أن الإقصاء المبكر لمرشحته يعكس حجم العزلة التي باتت تعاني منها الرباط داخل المنظمة القارية، نتيجة سياساتها التي تُوصف في بعض العواصم الأفريقية بأنها “براغماتية زائدة”، تسعى إلى توظيف علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى لتوجيه أجندة الاتحاد لصالحها. وبالتالي، فإن هذه النتيجة تمثل نقطة تحول جديدة لصالح الجزائر في صراعها الدبلوماسي مع المغرب داخل الاتحاد.

إضافة إلى البعد السياسي، فإن فوز حدادي يمثل نجاحًا لدبلوماسية الكفاءات الجزائرية، التي عادت بقوة إلى المشهد الدولي عبر تعيين شخصيات ذات خبرة واسعة في مناصب قيادية دولية. فحدادي، التي شغلت مناصب عديدة داخل الخارجية الجزائرية ومثّلت الجزائر في محافل إقليمية ودولية، تعكس نموذجًا للدبلوماسية الجزائرية التي باتت تركز على الكفاءة والخبرة بدلًا من الاعتبارات الشكلية أو السياسية.

في ظل هذه التطورات، يبدو أن الجزائر أصبحت أكثر استعدادًا لاستثمار هذا المنصب لتعزيز رؤيتها داخل الاتحاد الأفريقي، وترسيخ موقعها كقوة دبلوماسية وازنة في القارة. ومع استمرار النزاعات السياسية والاقتصادية في أفريقيا، قد يكون لهذا الفوز تأثيرات طويلة المدى على توازنات القوى داخل الاتحاد، خاصة إذا تمكنت الجزائر من تحقيق نتائج ملموسة في تطوير آليات التسيير الإداري والمالي داخل المنظمة.

ويمثل انتخاب مليكة سلمى حدادي نجاحًا دبلوماسيًا جزائريًا بامتياز، يعكس قوة الجزائر في المشهد الأفريقي، ويؤكد من جديد أن القارة لا تزال تعتبر الجزائر شريكًا استراتيجيًا يمكن الوثوق به في قضايا الوحدة، التنمية، والسيادة الأفريقية. وبينما يخسر المغرب جولة أخرى في صراع التموقع داخل الاتحاد الأفريقي، تواصل الجزائر تعزيز حضورها، في مسيرة يبدو أنها لن تتوقف قريبًا.